أحمد مطلوب

259

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

لتسألن البحر » فظاهر هذا أنّ فيه من نفسه أسدا وبحرا هو عينه هو الأسد والبحر لا أنّ هناك شيئا منفصلا عنه وممتازا منه . وعلى هذا يخاطب الانسان منهم نفسه حتى كأنها تقابله أو تخاطبه » « 1 » . ونقل ابن الأثير بعض كلام الفارسي وردّ بعضه ، قال : « وأمّا الذي ذكره أبو علي الفارسي - رحمه اللّه - فإنه قال : إنّ العرب تعتقد أنّ في الانسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله فتخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا من الانسان كأنه غيره وهو هو بعينه نحو قولهم : « لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد » و « لئن سألته لتسألنّ منه البحر » وهو عينه الأسد والبحر لا أنّ هناك شيئا منفصلا عنه أو متميزا منه . ثم قال : وعلى هذا النمط كون الانسان يخاطب نفسه حتى كأنه يقاول غيره كما قال الأعشى : « وهل تطيق وداعا أيّها الرجل » وهو الرجل نفسه لا غيره . هذا خلاصة ما ذكره أبو علي - رحمه اللّه - والذي عندي أنه أصاب في الثاني ولم يصب في الأول ، لان الثاني هو التجريد ، ألا ترى أنّ الأعشى جرّد الخطاب عن نفسه وهو يريدها ، وأما الأول وهو قوله : « لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد » و « لئن سألته لتسألن منه البحر » فان هذا تشبيه مضمر الأداة إذ يحسن تقدير أداة التشبيه فيه » « 2 » . وردّ ابن أبي الحديد هذا الرأي وقال : « إنّ الحدّ الذي حدّ هذا الرجل التجريد به لم يأت فيه نص من كتاب اللّه تعالى ولا ورد عن رسول اللّه وانما هو حدّ اختاره هو وفسر التجريد به ، فإنه حجر على أبي علي - رحمه اللّه - أن يجعل التجريد شيئا آخر . ومعلوم أنّ هذه الاصطلاحات والمواصفات موكولة إلى آراء العقلاء واختياراتهم فأبو علي - رحمه اللّه - قد اختار أن يسمّي قولهم : « إذا سألت زيدا سألت البحر » تجريدا ، وقد شرح ذلك وأوضحه بقوله إنّ ظاهر هذه اللفظة أنّ المسؤول غير زيد لأنّ ألفاظها تقتضي ذلك . ألا ترى أنك تقول : « صحبت زيدا فاقتبست منه العلم » و « قتلت فلانا فأخذت منه السلب » فيقتضي ظاهره بأنّ العلم غير المصحوب وأنّ السلب غير المقتول فهكذا يقتضي ظاهر قوله : « سألته فسألت منه البحر » أنّ البحر غيره . فأبو علي - رحمه اللّه - سمّاه تجريدا ، وهو غير مانع لك من اصطلاحك ولا مشاحّ لك في جدك الذي ذكرته للتجريد فكذلك أنت لا تجور ولا تضايقه في اصطلاحه وتجريده » « 3 » . وردّ أقوال ابن الأثير الأخرى منتصرا للفارسي . وكان ابن الأثير قد قال إنّ التجريد « إخلاص الخطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك لا المخاطب نفسه » « 4 » . وله فائدتان : الأولى : طلب التوسع في الكلام . الثانية : وهي الأبلغ وذاك أنّه يتمكن المخاطب من إجراء الأوصاف المقصودة من مدح أو غيره على نفسه إذ يكون مخاطبا بها غيره ليكون أعذر وأبرأ من العهدة فيما يقوله غير محجور عليه . والتجريد قسمان : الأول : التجريد المحض ، وذلك أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك ، كقول حيص بيص : إلام يراك المجد في زيّ شاعر * وقد نحلت شوقا فروع المنابر كتمت بعيب الشعر حلما وحكمة * ببعضهما ينقاد صعب المفاخر أما وأبيك الخير إنّك فارس ال * مقال ومحيي الدارسات الغوابر وإنّك أعييت المسامع والنّهى * بقولك عمّا في بطون الدفاتر فقد أجرى الخطاب على غيره وهو يريد نفسه كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة وعدّ ما

--> ( 1 ) الخصائص ج 2 ص 473 ، وينظر المنزع البديع ص 279 ، الروض المريع ص 97 . ( 2 ) المثل السائر ج 1 ص 427 . ( 3 ) الفلك الدائر ص 219 . ( 4 ) المثل السائر ج 1 ص 423 .